2019 September 21

منظمة الحقيقة

عودة التوتر بين تركيا والولايات المتحدة.. تهديدات واشنطن لتركيا جرّاء شراء اس400



عودة التوتر بين تركيا والولايات المتحدة.. تهديدات واشنطن لتركيا جرّاء شراء اس400

منظمة الحقيقة- لم تمضِ سوى ساعات معدودة على تهديد روبرت بلادينو، نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، الأربعاء (6 مارس الجاري)، لتركيا بعقوبات مختلفة حال مضيها قدماً في شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية "إس-400"، حتى سجّلت العملة التركية تراجعاً بلغت نسبته 1٪ عند الإقفال، يوم الخميس.


وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أعلن الاثنين (4 مارس)، حرمان المصدّرين الأتراك والهنود من مزايا تجارية جمركية تفضيلية، وبعث رسائل إلى الكونغرس والحكومتين التركية والهندية تتضمن إخطارهما بالتغيّرات.
وأوضح البيت الأبيض أن خروج الهند وتركيا من وضع الولايات المتحدة التفضيلي سيصبح ساري المفعول بعد 60 يوماً.
ويرى مراقبون أن العقوبات تمثل عودة واشنطن إلى سيناريو القس الأمريكي أندرو برونسون، الذي كان محتجزاً في تركيا وأُطلق سراحه في أكتوبر الماضي، ومارس حينها ترامب سياسة الضغط الاقتصادي عبر تغريدات نشرها على موقع التدوينات القصيرة "تويتر" استهدفت الاقتصاد التركي، ما تسبّب بانتكاسة في سعر صرف الليرة، التي لم تتعافَ إلى الآن، ويحاول ترامب عبر نفس السيناريو ثني تركيا عن شراء منظومة الصواريخ الروسية.
وكشف وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، الجمعة (8 مارس 2019)، أن أنقرة ستبدأ استخدام منظومة "إس-400" الروسية انطلاقاً من شهر أكتوبر، وذلك في تجاهل لتهديد وزارة الخارجية الأمريكية بفرض عقوبات مختلفة على تركيا حال مضيها قدماً في شراء المنظومة، حيث يقول المسؤولون الأتراك إن عرقلة واشنطن بيعهم منظومة باتريوت قادتهم للتوجه إلى موسكو.
وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية، أمس الجمعة، أنه في حال اشترت تركيا منظومة "إس-400" الصاروخية من روسيا فإنها لن تحصل على مقاتلات "إف-35" ومنظومة "باتريوت".
اعتراض أمريكي وإصرار تركي
من الواضح أن العلاقات بين أنقرة وواشنطن تشهد توتراً مستمراً؛ بسبب الخلاف حول عدد من القضايا ذات الصلة بالبلدين، التي شهدت استقراراً ملحوظاً بعد إطلاق أنقرة سراح القس برانسون.
لكن أنقرة كانت على ما يبدو تأمل أن تتفهم واشنطن طبيعة التهديدات التي تواجهها من قبل المقاتلين الأكراد.
ولم يُفصح البيت الأبيض عن أي تغييرات في الشمال السوري، حيث توجد "وحدات حماية الشعب الكردي" التي تدعمها واشنطن، وتراها أنقرة تهديداً خطيراً لها، وتعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه منظمة إرهابية.
وسبق لترامب أن هدّد علناً بـ"تدمير الاقتصاد التركي" إذا هاجمت أنقرة القوات الكردية في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي المنتظر.
في المقابل فإن أنقرة تطالب واشنطن بتسليمها الداعية التركي فتح الله غولن، المقيم على الأراضي الأمريكية؛ إذ تعتبره محرِّضاً على محاولة الانقلاب الفاشلة صيف 2016.
واليوم أصبحت صفقة شراء صواريخ "إس–400" الروسية تأتي على رأس المسائل الخلافية بين أنقرة وواشنطن؛ حيث ترى الولايات المتحدة أن نظام الدفاع الصاروخي الروسي يمكن أن يضرّ بتكنولوجيا حلف شمال الأطلسي، إلى جانب تحفّظها على تغلغل موسكو في منطقة الشرق الأوسط.
بدورها فإن تركيا اضطرّت إلى اللجوء لروسيا من أجل تلبية متطلباتها الدفاعية، بعد أن رفضت واشنطن، حليفتها في "الناتو"، بيعها منظومة صواريخ "باتريوت" الدفاعية، بل إنها عمدت إلى سحب بطاريات الحلف من الأراضي التركية عام 2014، في قمة مرور المنطقة بتوتر؛ من ناحية ظهور تهديد تنظيم الدولة، وتصاعد هجمات حزب العمال، واشتداد الأزمة السورية.
التشدد الأمريكي دفع أنقرة للتوجه نحو موسكو، حيث عقدت معها صفقة لشراء الصواريخ الدفاعية، التي اعتبرتها مجلة "ذي ناشينال إنترست" الأمريكية واحدة من أربعة أنواع أسلحة روسية يخشى حلف "الناتو" من مواجهتها.
وفي محاولة لإقناع أنقرة بالابتعاد عن الصفقة الروسية عرضت وزارة الخارجية الأمريكية بيعها نظام "باتريوت".
وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، علّق في الأول من مارس على الأمر بالقول: "بعد عامين من إرسالنا طلب شراء باتريوت جاءنا أول رد إيجابي، وتحدّث الأمريكيون عن استعدادهم لبيع المنظومة، وبدأت المباحثات بالفعل، وما يهمّنا في هذا الإطار ثلاثة أمور؛ السعر، ومدة التسليم، وإمكانية الإنتاج المشترك أو نقل التقنية مستقبلاً".
وبخصوص شراء الصواريخ الروسية أضاف، خلال مشاركته في برنامج على "قناة 26" التركية: "عقب العوائق التي حالت دون حصولنا على منظومة باتريوت من حلفائنا الغربيين ما كان لنا أن ننتظر أكثر؛ فنحن بحاجة لحماية أجوائنا فالأخطار تحيط بنا، ومن ضمنها التهديدات الصاروخية".
أوغلو أكد أن "روسيا ستسلّم أنقرة المنظومة الصاروخية خريف 2019، وأن التراجع عن الصفقة غير وارد".
في ذات السياق قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأربعاء (6 مارس الجاري)، إن بلاده لن تتراجع عن صفقة شراء هذه المنظومة من روسيا، مشيراً إلى أن "البلدين سيبدآن بالإنتاج المشترك للمنظومة".
أسباب الاعتراض الأمريكي
نظام "إس 400" الصاروخي أحد أكثر الأنظمة تطوّراً في العالم، ويستطيع تدمير أهداف تتحرك بسرعة 5 كيلومترات بالثانية، ومن ضمنها الطائرات والصواريخ ذاتيّة الدفع متوسطة المدى والصواريخ المجنّحة.
وتبلغ سرعة هذه الصواريخ ضعف سرعة صواريخ الباتريوت، ونطاق استهدافها يبلغ ثلاثة أضعاف، في حين تتحول لوضع قتالي بشكل أسرع 5 مرات، وباستطاعتها توجيه عدد صواريخ أكبر بـ13 مرة.
هذه المزايا عالية التقنية تقف وراء تحفّظ واشنطن على وصول هذه المنظومة إلى تركيا، بحسب الخبير العسكري أسعد إسماعيل شهاب.
شهاب قال: إن "هذا السلاح يعيد رسم خريطة التوازنات العسكرية في العالم؛ فبهذه الإمكانات حيّدت موسكو القوة الهجومية للناتو على طول أراضيها؛ حيث نشرت مظلّة من بطاريات المنظومة تغطي المجال الجوي الروسي بالكامل؛ من بحر اليابان إلى البحر الأسود، ومن بحر بارنتس مروراً بوسط روسيا وسيبيريا، ووصلت مديات تغطية المظلّة في بعض الأماكن إلى مئات الكيلومترات إلى ما وراء الحدود".
وأضاف الخبير العسكري، وهو مدرّس سابق في كلية الأركان العراقية: إن "روسيا تتعامل بذكاء  مع تضارب المصالح في المنطقة؛ بهدف إعادة هيبتها التي كانت عليها في زمن الاتحاد السوفييتي، لذلك اهتمّت بالزبائن الباحثين عن قدرة المنظومة الدفاعية الخارقة، ولم تضع العراقيل أمام مشترين مثل تركيا".
واستطرد قائلاً إن موسكو كانت مرنة في التعاطي مع بيع الصواريخ، على الرغم من أن "تركيا اشترطت نقل التقنية، وذلك يعني أنها ستصبح في المستقبل قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من ناحية التصنيع الدفاعي، في المقابل ماطلت أمريكا في بيع الباتريوت للأتراك، وعندما وافقت كانت موافقتها بشروط، على رأسها عدم نقل التقنية".
وتابع شهاب حديثه بالقول: "من وجهة نظري فإن روسيا تؤسس لنظام عدم انحياز جديد في العالم ببيع الصواريخ الدفاعية لأنقرة؛ فالدول تنظر في مصالحها بالنهاية، وتركيا لم تنضمّ لحلف الناتو لسواد عيون أوروبا وأمريكا، بل لأنها رأت مصلحتها في ذلك؛ نظراً لظروف الصراع الدولي".
شهاب واصل حديثه مبيّناً أنه "بعد 5 عقود من المفاوضات لم تنجح تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وتجد نفسها اليوم أمام تصاعد خطاب كراهية يجاهر بمنعها من دخول النادي الأوروبي، في ظل تصاعد التيار اليميني القومي عاماً بعد عام في القارة العجوز".
وأضاف: "أما واشنطن فهي تتعامل باستعلاء مع الجانب التركي، وتتحفّظ على نقل المعلومات والخبرات العسكرية لحلفائها، فضلاً عن ذلك تقدم أمريكا الدعم لقيام دولة كردية في خاصرة تركيا الجنوبية الرخوة"، مؤكداً أن هذا "أمر يهدد بتفكك الدولة التركية ضمن رؤية الشرق الأوسط الجديد الذي قرأنا الكثير عنه عبر التقارير الإعلامية".
لذلك، يقول الخبير العسكري، إن ارتقاء مستوى التعاون التركي الروسي يؤهل أنقرة للدخول إلى شكل من أشكال عدم الانحياز في صراعات المستقبل، وهذا الأمر يُرعب الغرب.
وختم المدرس السابق في كلية الأركان العراقية حديثه بالقول: إن "أمريكا تدرك أن امتلاك تركيا منظومة الدفاع الروسية المتطورة سيعني فتح الباب أمام دول أخرى مقرّبة منها لهذا المجال؛ ما يعني استحالة استمرارها في الحفاظ على سلطتها ونفوذها في العالم؛ لذلك ستعمل على ثني تركيا بأي ثمن لجعلها عبرة لحلفائها الآخرين، وأتوقع تصعيداً خطيراً في هذا الملف مع اقتراب موعد تسليم المنظومة لتركيا".

کلمات مفتاحية

معارضة واشنطن، أنقرة، صواريخ "إس 400"، روسيا، الولايات المتحدة،ترامب،تركيا

إضافة تعليق

تعليقك

التعليق

free website counter